أحمد أمين
35
كتاب الأخلاق
الكبر ولا الذلة ولا الميل إلى المسكرات ، ولكن يرث الاستعداد لذلك وتتوقف الإصابة على البيئة « 1 » . ويختلف الناس في القدر الموروث من هذه الاستعدادات والجراثيم ، كما يختلفون في الموروث ؛ فمثلا : ( أ ) يرث حب الذات بمقدار 60 وخوفا بقدر 45 وغضبا بقدر 50 ؛ بينما ( ب ) يرث من حب الذات بمقدار 80 ومن الخوف 20 ومن الغضب 65 وصفات القدر الموروث عند ( أ ) قد تخالف صفاته عند ( ب ) ، وهكذا . وقد يمنح بعض الناس كمية كبيرة من غريزة حتى تضعف بجانبها الغرائز الأخرى ؛ فترى مثلا في « سقراط » حب الاستطلاع والبحث ناميا نموا لم يجعل مجالا لظهور غريزة أخرى فيه ظهورا بينا ، وهكذا . الصفات المكتسبة : ومع أن العلماء يكادون يتفقون على الصفات الأساسية - جسمية كانت أو عقلية أو خلقية - تنتقل من الأصول إلى الفروع ، فقد اختلفوا في الصفات
--> ( 1 ) وكما أن الغرائز تورث على شكل استعدادات كما بينا ، كذلك يورث المجموع العصبي وخصائصه . والناس يختلفون في التأثر والانفعال تبعا لاختلاف مجموعهم العصبي ، فالتأثرات العصبية تلاقي أثناء سيرها مقاومة ، ولا سيما عند القنطرة التي بين عصب وآخر ، وهذه المقاومة تختلف شدة وضعفا ، فعند بعض الناس تعظم هذه المقاومة ويستغرق التأثر أثناء مروره زمنا طويلا نسبيا . ومثل هؤلاء بطيئو الفهم ، باردو المزاج ، ولكنهم ثابتو الخلق راجحو الحلم ، لا يصدر منهم عمل شاذ كما لا يصدر منهم عمل عظيم . وعلى العكس من هؤلاء قوم عصبيون تمر التأثرات عندهم على الأعصاب سريعا وفي طريق مفتوحة ، ومع قليل من المقاومة ، وهم - عادة - أذكياء نشيطو العقل ، سريعو الانفعال ، حادو العواطف يأتون بالشواد من الأعمال وأحيانا بعظيمها ، طائشون في الخلق ، متهورون في السياسة ، يستطيعون أن يؤثروا بسهولة فيمن حولهم ، ولكنهم لا يحسنون قيادتهم ، ومن هذا الصنف يكون النبوغ عادة ، وقد يتحول النبوغ إلى جنون . وكما ذكرنا في وراثة الغرائز « أن الوارث إنما يرث استعدادات فقط » ، كذلك في المزاج العصبي فليس يرث الأولاد مزاجا عصبيا مريضا ، وإنما يرثون مزاجا فيه استعداد للمرض ، ويتوقف المرض على البيئة ، ومن أجل هذا قد نرى الأبوين العصبيين ينسلان أولادا مختلفين أحدهم فنان والآخرة معتوه والثالث شاعر حاد العواطف والرابع سكير مفرط والخامس واعظ عظيم ، فتراهم كلهم من واد واحد من حيث حدة الانفعال ، ولكنهم اختلفوا بين نافع وضار تبعا لقدر الإرث والبيئة .